فخر الدين الرازي

24

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : رب السماوات والرحمن ، فيه ثلاثة أوجه من القراءة الرفع فيهما وهو قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو ، والجر فيهما وهو قراءة عاصم وعبد اللّه بن عامر ، والجر في الأول مع الرفع في الثاني ، وهو قراءة حمزة والكسائي ، وفي الرفع وجوه أحدها : أن يكون رب السماوات مبتدأ ، والرحمن خبره ، ثم استؤنف لا يملكون منه خطابا وثانيها : رب السماوات مبتدأ ، والرحمن صفة ولا يملكون خبره وثالثها : أن يضمر المبتدأ والتقدير هو : رَبِّ السَّماواتِ هو الرَّحْمنِ ثم استؤنف : لا يَمْلِكُونَ ورابعها : أن يكون الرَّحْمنِ و لا يَمْلِكُونَ خبرين وأما وجه الجر فعلى البدل من ربك ، وأما وجه جر الأول ، ورفع الثاني فجر الأول بالبدل من ربك ، والثاني مرفوع بكونه مبتدأ وخبره لا يملكون . المسألة الثانية : الضمير في قوله : لا يَمْلِكُونَ إلى من يرجع ؟ فيه ثلاثة أقوال : الأول : نقل عطاء عن ابن عباس إنه راجع إلى المشركين يريد لا يخاطب المشركون أما المؤمنون فيشفعون يقبل اللّه ذلك منهم والثاني : قال القاضي : إنه راجع إلى المؤمنين ، والمعنى أن المؤمنين لا يملكون / أن يخاطبوا اللّه في أمر من الأمور ، لأنه لما ثبت أنه عدل لا يجور ، ثبت أن العقاب الذي أوصله إلى الكفار عدل ، وأن الثواب الذي أوصله المؤمنين عدل ، وأنه ما يخسر حقهم ، فبأي سبب يخاطبونه ، وهذا القول أقرب من الأول لأن الذي جرى قبل هذه الآية ذكر المؤمنين لا ذكر الكفار والثالث : أنه ضمير لأهل السماوات والأرض ، وهذا هو الصواب ، فإن أحدا من المخلوقين لا يملك مخاطبة اللّه ومكالمته . وأما الشفاعات الواقعة بإذنه فغير واردة على هذا الكلام لأنه نفى الملك والذي يحصل بفضله وإحسانه ، فهو غير مملوك ، فثبت أن هذا السؤال غير لازم ، والذي يدل من جهة العقل على أن أحدا من المخلوقين لا يملك خطاب اللّه وجوه الأول : وهو أن كل ما سواء فهو مملوكه والمملوك لا يستحق على مالكه شيئا وثانيها : أن معنى الاستحقاق عليه ، هو أنه لو لم يفعل لاستحق الذم . ولو فعلة لاستحق المدح ، وكل من كان كذلك كان ناقصا في ذاته ، مستكملا بغيره وتعالى اللّه عنه وثالثها : أنه عالم بقبح القبيح ، عالم بكونه غنيا عنه ، وكل من كان كذلك لم يفعل القبيح ، وكل من امتنع كونه فاعلا للقبيح ، فليس لأحد أن يطالبه بشيء ، وأن يقول له لم فعلت . والوجهان الأولان مفرعان على قول أهل السنة ، والوجه الثالث يتفرع على قول المعتزلة فثبت أن أحدا من المخلوقات لا يملك أن يخاطب ربه ويطالب إلهه . واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أحدا من الخلق لا يمكنه أن يخاطب اللّه في شيء أو يطالبه بشيء قرر هذا المعنى ، وأكده فقال تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 38 ] يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ( 38 ) وذلك لأن الملائكة أعظم المخلوقات قدرا ورتبة ، وأكثر قدرة ومكانة ، فبين أنهم لا يتكلمون في موقف القيامة إجلالا لربهم وخوفا منه وخضوعا له ، فكيف يكون حال غيرهم . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : لمن يقول بتفضيل الملك على البشر أن يتمسك بهذه الآية ، وذلك لأن المقصود من الآية أن الملائكة لما بقوا خائفين خاضعين وجلين متحيرين في موقف جلال اللّه ، وظهور عزته وكبريائه ، فكيف يكون حال غيرهم ، ومعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا إذا كانوا أشرف المخلوقات .